
وزارة الأمن الداخلي الأمريكية تموّل مراقبة بالذكاء الاصطناعي: ماذا كشفت البيانات المسرّبة؟
تموّل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) عشرات المشاريع التي توظّف الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدراتها في مراقبة بالذكاء الاصطناعي، من مسح البيانات البيومترية عبر الهواتف المحمولة إلى تحليل كاميرات المطارات تلقائياً، وصولاً إلى منصة تدّعي القدرة على التنبؤ بالجرائم. هذه التفاصيل لم تأتِ من تقرير رسمي، بل من تسريب ضخم لبيانات الوزارة نفسها.
تسريب يكشف 845 مليون دولار من العقود
وفقاً لتحقيق نشرته صحيفة The Guardian، حصل الصحفي Jason Wilson على بيانات مسرّبة من مكتب الشراكة الصناعية (Office of Industry Partnership) التابع للوزارة، وهو الذراع التقني المسؤول عن تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة لتطوير نماذج أولية تلبّي احتياجات الأمن الداخلي. قدّمت منظمة Distributed Denial of Secrets هذه البيانات التي جمعها ناشط رقمي مجهول الهوية.
تتضمن البيانات المسرّبة قاعدتين: الأولى تحتوي على سجلات أكثر من 6,800 شركة تقدّمت بعروض للوزارة، والثانية توثّق أكثر من 1,400 عقد ممول بقيمة إجمالية تبلغ 845 مليون دولار، تمتد على مدى عقدين من 2004 حتى أواخر 2025. يبدأ كل عقد عادةً بمرحلة إثبات مفهوم (Phase I) بقيمة تتراوح بين 100 و175 ألف دولار، قبل أن يتطوّر إلى مرحلة تمويل النموذج الأولي (Phase II) بقيمة مليون دولار أو أكثر.
هواتف تتحوّل إلى ماسحات بيومترية
تكشف البيانات أن ثلاثة عقود صدرت في 7 مايو 2025 لتطوير أدوات تحوّل الهواتف الذكية إلى أجهزة مسح بيومتري متنقلة. حصلت شركة Idea Mind LLC على 174 ألف دولار لتطوير تقنية تُدعى Vibe، وهي محوّل يربط ماسحات بصمات الأصابع وقزحية العين بالهواتف عبر منفذ USB-C أو Lightning، مع توافق فوري مع أنظمة Android وiOS.
حصلت شركة Intellisense Systems على نحو 175 ألف دولار لجهاز مشابه يُدعى Flow، صُمّم ليعمل مع الهاتف كوحدة واحدة محمولة باليد تدعم مسح بصمات الأصابع وقزحية العين والتعرف على الوجه عبر كاميرا الهاتف. أما شركة Integrated Biometrics فحصلت على نحو 168 ألف دولار لمشروع Bios Link، وأشارت صراحةً إلى أن تقنيتها ستخدم “مكونات الوزارة، والجهات الاستخباراتية، والشركاء الدوليين”. تجدر الإشارة إلى أن Intellisense وحدها حصلت على 59 عقداً بحثياً مع الوزارة بقيمة تتجاوز 17 مليون دولار منذ 2004.
مراقبة المطارات بالذكاء الاصطناعي: كاميرات ترصد ملابسك وأحذيتك
خُصّصت أربعة عقود إضافية بقيمة إجمالية 699 ألف دولار لتقنيات مراقبة المسافرين عند نقاط التفتيش الأمني في المطارات. تعتمد جميعها على تحليل بثّ كاميرات المراقبة الموجودة فعلاً باستخدام الذكاء الاصطناعي، لتصنيف الخصائص الجسدية للمسافرين تلقائياً. يرصد نظام Ossca التابع لشركة Intellisense الأفراد ويتتبعهم ويحدد “خصائصهم الجسمية، وأنواع ملابسهم وأحذيتهم وإكسسواراتهم المرئية”، مع إصدار تنبيهات تلقائية للمشغّلين.
لهذا التوجه سوابق مثيرة للقلق، إذ أنفقت إدارة أمن النقل (TSA) أكثر من 900 مليون دولار على برنامج SPOT للفحص السلوكي منذ 2007، قبل أن يكشف تقرير لمكتب المحاسبة الحكومية (GAO) عام 2013 أن قدرة البرنامج على رصد السلوك المخادع “لا تتجاوز مستوى الصدفة أو تزيد عنها قليلاً”. وجد تقرير متابعة عام 2017 أن 98% من المصادر التي استشهدت بها الإدارة لدعم مؤشراتها السلوكية لم تكن أدلة صالحة، وشملت “مقالات رأي ولقطات شاشة من مواقع طبية”.
الشرطة التنبؤية: خرائط حرارية تدّعي التنبؤ بالجرائم
خُصّصت ثلاثة عقود أخرى بقيمة 524 ألف دولار لمنصات ذكاء اصطناعي تستوعب بيانات مكالمات الطوارئ 911 على المستوى الوطني. يبرز من بينها نظام Cimas الذي طوّرته شركة Cassius LLC المسجّلة حديثاً في ولاية ماين، والذي يصف نفسه بأنه “بحيرة بيانات عالية التوفر مدمجة مع تحليلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي”، تجمع بيانات مكالمات الطوارئ وتولّد “خرائط حرارية جغرافية” وتستخدم نماذج ذكاء اصطناعي “للتنبؤ باتجاهات الحوادث”.
يثير هذا المشروع تساؤلات جدية، خاصة أن موقع الشركة لا يذكر أسماء أي من أعضاء فريقها، وصفحة “فريقنا” معطّلة.
وصف مركز Brennan Center for Justice مفهوم الشرطة التنبؤية (Predictive Policing) بأنه “غسيل تقني” يمنح “أساليب الشرطة المتحيزة عرقياً مظهر الموضوعية لمجرد أن حاسوباً أو خوارزمية يبدو أنها تحلّ محل الحكم البشري”. يُذكر أن أقسام شرطة كبرى مثل لوس أنجلوس وشيكاغو تخلّت عن برامج الشرطة التنبؤية بين 2019 و2020.
مخاوف حقوقية وتساؤلات مفتوحة
علّق Jeramie Scott، المستشار القانوني ومدير مشروع مراقبة الرقابة في مركز EPIC، على هذه المشاريع قائلاً إن القائمين عليها “يشاهدون أفلام الخيال العلمي الديستوبي ويقولون: هذا يبدو رائعاً!” مضيفاً أنهم “يستخلصون الدرس الخاطئ”. وأشار إلى أن هذه الأدوات “من غير المرجح أن تنجح، وتنطوي على مخاطر تتعلق بتأثيراتها غير المتناسبة، وتحويل جهاز الدولة ضد أشخاص لم يرتكبوا أي خطأ، وإهدار المال، واحتمال استخدامها لتقويض الديمقراطية”.
يأتي هذا التسريب في سياق حصول الوزارة على زيادة تمويل غير مسبوقة بقيمة 165 مليار دولار، وجدل متصاعد حول جمع عملائها لبيانات بصرية وبيومترية من متظاهرين في مدينة مينيابوليس. يطرح كل ذلك سؤالاً جوهرياً حول الحدود التي ينبغي أن ترسمها الحكومات عند توظيف الذكاء الاصطناعي في الرقابة الأمنية، وهو سؤال لا يخصّ الولايات المتحدة وحدها.