
التحسين الذاتي المتكرر (RSI): ثورة الذكاء الاصطناعي القادمة!
تسعى مختبرات التقنية الكبرى اليوم إلى تطوير أنظمة قادرة على إدارة دورة ترقيتها بنفسها من خلال التحسين الذاتي المتكرر، لتشكيل حلقة مغلقة تعتمد كلياً على قوة الحوسبة وتستغني تدريجياً عن التدخل البشري. تقود هذه الرؤية العديد من الشركات الناشئة التي تسعى لتحقيق اختراقات تقنية غير مسبوقة لتسريع وتيرة الأبحاث.
يشير مصطلح التحسين الذاتي المتكرر (RSI) إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين شفرته البرمجية وقدراته بشكل متواصل ومستقل. ووفقاً لتقرير نشره موقع TechCrunch، بات هذا المفهوم الهدف المعلن لشركات مثل “Recursive Superintelligence” التي أطلقها الباحث ريتشارد سوشر مؤخراً، مؤكداً أن التركيز ينصب على أتمتة عملية الابتكار والتنفيذ والتحقق من الأفكار البحثية بالكامل.
في سياق متصل، يعمل أندريه كارباثي، الباحث البارز والمسؤول السابق في أوبن إيه آي، على مشروع يحمل اسم “Auto-Research”، والذي يعتمد على أسراب من الوكلاء الذكيين لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة على مهام محددة. ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى ويحقق تحسينات طفيفة على نماذج بحجم GPT-2، إلا أنه دفع باحثين آخرين لتبني هذا التوجه، خاصة مع انتقال كارباثي للعمل على التدريب المسبق للنماذج في شركة “أنثروبيك“.
على صعيد متوازٍ، أطلقت شركة “أدابشن” أداة “AutoScientist” لأتمتة تدريب النماذج المتقدمة عبر وكلاء ذكيين يُجرون تحسينات تدريجية. كما برزت شركة “ديسراي” بعد فوز وكيلها للتعلم الآلي بـ 28 ميدالية في مسابقة “Kaggle”، متفوقاً على أنظمة دربها خبراء بشريون، مما يؤكد أن التحدي الأساسي حالياً يكمن في الموثوقية الهندسية أكثر من كونه تحدياً إبداعياً.
هل اقتربنا فعلاً من التحسين الذاتي المتكرر؟
رغم هذه التطورات، لا تزال الصناعة بعيدة عن تحقيق أنظمة ذاتية التحسين بالكامل. اعترف ساندر بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، في مقابلة صوتية حديثة بأن الصناعة تحرز تقدماً مستمراً، لكن الوصول إلى المستوى المتسارع الذي يصفه مفهوم التحسين الذاتي لم يتحقق بعد.
ومع ذلك، تظهر بوادر الأتمتة الذاتية بوضوح داخل المختبرات. ففي يناير الماضي، قدّر أحد المبرمجين الرئيسيين في فريق “Claude Code” التابع لأنثروبيك أن ما يقرب من 100% من الشفرات البرمجية لفريقه كُتبت بواسطة الأداة نفسها. وفي استطلاع حديث مرتبط بالنسخة التجريبية لنموذج “Claude Mythos”، رأى 5 من أصل 18 مهندساً أن هذا النظام قد يحل قريباً محل مهندس برمجيات من المستوى الرابع (L4) قادر على تولي مشاريع معقدة دون إشراف.
لكن تقييمات النموذج أظهرت نقاط ضعف تتركز تحديداً في التوجيه الذاتي، مثل إدارة المهام الغامضة، وفهم أولويات المؤسسة، والتحقق، وهي تحديات تُمثل حجر الزاوية لأي نظام مستقل تماماً.
مراحل تطور أبحاث الذكاء الاصطناعي المستقلة
حدد الخبراء مراحل متسلسلة للوصول إلى استقلالية الذكاء الاصطناعي في الأبحاث، وفقاً لتصنيف الباحثة أجيا كوترا من مؤسسة “METR”:
1. الكفاية (Adequacy): قدرة النظام على إجراء الأبحاث بعد استبعاد البشر، حتى وإن كانت النتائج أقل كفاءة.
2. التكافؤ (Parity): وصول الأنظمة المستقلة إلى مستوى يوازي جودة الأبحاث التي يجريها البشر.
3. التفوق (Supremacy): المرحلة النهائية التي تتفوق فيها الأنظمة المستقلة على العمل المشترك بين البشر والذكاء الاصطناعي.
تحديات تطبيق التحسين الذاتي المتكرر في الواقع
يعتقد العديد من الباحثين أن تطوير الذكاء الاصطناعي المستقل سيتبع نفس منحنى النمو المتصاعد القائم على زيادة حجم البيانات والحوسبة. ومع ذلك، صرحت هيلين تونر، المديرة في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة (CSET) لموقع TechCrunch، بأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعادل المفهوم الكلاسيكي للتحسين الذاتي المتكرر الذي يفترض غياب البشر تماماً.
يتطلب الانتقال إلى أنظمة ذاتية التحسين بالكامل تجاوز عقبات هندسية ضخمة تتعلق بالتوجيه والمواءمة التقنية، إلى جانب التحدي المتمثل في محدودية الموارد الحاسوبية المتاحة. وحتى يتم حل هذه التحديات الجوهرية، يبقى التحسين الذاتي المتكرر هدفاً مستقبلياً قيد التطوير.
