تأثيرات سوق العملأخبار الذكاء الاصطناعيخصوصية وأمان

تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي: هل بدأ الانهيار فعلاً؟

تتسارع موجة تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي في قطاع التقنية، وتُطرح أسئلة جوهرية حول ما إذا كانت التقنية تبرر فعلاً هذه القرارات، أم أن المديرين التنفيذيين يستخدمونها غطاءً لإعادة هيكلة كانت حتمية بصرف النظر عن أي تطور تقني.

بلوك تسرّح نصف قوتها العاملة

وفقاً لتقرير نشرته مجلة ذا أتلانتيك (The Atlantic) بتاريخ 10 مارس 2026، أعلنت شركة بلوك (Block)، المالكة لمنصتي سكوير (Square) وكاش آب (Cash App)، عن تسريح نحو 4000 موظف، أي ما يقارب نصف قوتها العاملة. وكتب الرئيس التنفيذي جاك دورسي، المؤسس المشارك لتويتر سابقاً، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطورها الشركة تتيح أسلوب عمل جديداً يعتمد على فرق أصغر وأكثر مرونة، وأن الشركة ستركز كلياً على دمج الذكاء الاصطناعي في جميع مستويات عملياتها.

جاء هذا الإعلان بعد يوم واحد من تصريحات أندرو يانغ، المرشح الرئاسي الأمريكي السابق، الذي وصف المرحلة الراهنة بأنها بداية انهيار حقيقي لوظائف العمل المعرفي، متوقعاً فقدان الملايين لوظائفهم وارتفاع حالات الإفلاس الشخصي.

ذريعة تقنية أم “غسيل ذكاء اصطناعي”؟

غير أن حجم التسريحات أثار شكوكاً واسعة حول الدوافع الحقيقية. يرى عدد من الخبراء أن بلوك ربما تمارس ما يُعرف بـ”غسيل الذكاء الاصطناعي” (AI-Washing)، أي توظيف الضجة المحيطة بالتقنية كمبرر لتسريحات دافعها الأساسي مختلف تماماً. فالشركة تضخمت بشكل كبير خلال جائحة كوفيد-19، إذ تضاعف عدد موظفيها ثلاث مرات بين عامي 2019 و2022. وقد علّق إيثان موليك، أستاذ في كلية وارتون للأعمال، بأن من الصعب تخيّل قفزة مفاجئة في الكفاءة تتجاوز 50% تبرر تسريحات بهذا الحجم، ونصح بأخذ تبريرات الشركة بكثير من التحفظ.

أحد الموظفين السابقين المتأثرين بالتسريح أكد أن أدوات مثل Claude Code من أنثروبيك ووكيل Goose مفتوح المصدر غيّرت فعلاً طريقة عمل المهندسين، لكن موظفاً سابقاً آخر لفت إلى أن هذه الأدوات منتشرة في القطاع بأكمله، ولم تدفع شركات أخرى إلى تسريحات مماثلة.

تسريحات تُكافأ في وول ستريت

ارتفع سعر سهم بلوك بعد الإعلان عن التسريحات مباشرة، وهو ما يعكس حماس المستثمرين لأي إشارة توحي بأن الذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية فعلاً. لكن هذا الحماس قد يُشعل دورة خطيرة: حين تُكافَأ شركة واحدة على تسريحات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تجد شركات أخرى نفسها تحت ضغط لتقليد النموذج ذاته، حتى لو لم تكن التقنية جاهزة لتحل محل البشر بالفعل. وبذلك يتحول فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي إلى نبوءة تحقق ذاتها.

تحذيرات من نتائج عكسية

تحذر رافائيلا سادون، أستاذة في كلية هارفارد للأعمال ومتخصصة في دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على بيئة العمل، من أن التسريحات المتسرعة قد تأتي بنتائج عكسية. فأكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ابتكاراً تنشأ من داخل فرق العمل لا من الإدارة العليا. وضربت مثالاً بمهندس حوّل خبرته التشغيلية إلى وكيل ذكاء اصطناعي يجيب عن أسئلة الموظفين الجدد، وهو نوع من المعرفة المؤسسية يُفقد نهائياً حين تُسرَّح نسبة كبيرة من الكوادر. كما أن تقديم التقنية كمنافس مباشر للموظف يُضعف حافز من تبقى منهم لاستخدامها بفعالية.

تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي: رواية أم واقع؟

صرّح مصطفى سليمان، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، مؤخراً بأن معظم الوظائف المكتبية ستُؤتمت بالكامل خلال 12 إلى 18 شهراً، فيما توقع داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، أن نصف الموظفين المبتدئين في القطاع المعرفي قد يفقدون وظائفهم قريباً.

لكن سايمون جونسون، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد من معهد MIT، يرى أن الأتمتة المتسرعة التي تستبدل العمال بآلات أقل كفاءة تضر بالمجتمع والشركات معاً، ولا تسهم فعلياً في رفع الإنتاجية. ويشير إلى أن الشركات الأمريكية تعاملت لعقود مع العمالة باعتبارها تكلفة يجب تقليصها، لا مورداً ينبغي تطويره.

يبقى فقدان الوظائف الجماعي حتى الآن أقرب إلى سردية سائدة منه إلى حتمية تقنية. فالمديرون التنفيذيون يتعرضون لضغوط متزايدة لإثبات أنهم يستثمرون في الذكاء الاصطناعي، والتسريحات تبدو الطريقة الأسهل لإرسال هذه الإشارة، حتى لو كان الثمن باهظاً على المدى البعيد.​​​​​​​​​​​​​​​​

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى