السياسات والقوانينأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
رائج حاليا

أنثروبيك ضد البنتاغون: كيف تحولت أزمة عقد عسكري إلى معركة سيادة على الذكاء الاصطناعي

تتحول شركة أنتروبيك من مختبر ذكاء اصطناعي يركز على السلامة إلى لاعب جيوسياسي في قلب صراع بين وادي السيليكون والبنتاغون. رفض الشركة رفع القيود عن استخدام نموذجها كلود (Claude) في الأسلحة المستقلة والمراقبة الجماعية أشعل مواجهة مع إدارة ترامب، وأعاد طرح سؤال جوهري: من يملك حق وضع حدود لتقنية تُعتبر من أقوى أدوات الأمن القومي الأمريكي؟

ووفقاً لتحقيق مطول نشرته مجلة TIME، قضى فريق المجلة ثلاثة أيام داخل مقر أنثروبيك في سان فرانسيسكو، وأجرى مقابلات مع مسؤولين تنفيذيين ومهندسين وقادة فرق السلامة، لرسم صورة شاملة عن الشركة التي باتت تقييمها يتجاوز 380 مليار دولار، متفوقة على شركات مثل غولدمان ساكس وماكدونالدز وكوكا كولا.

كلود في ساحة المعركة: من كراكاس إلى البنتاغون

استُخدم كلود فعلياً في عملية عسكرية حقيقية حين شاركت أدوات أنثروبيك في التخطيط لعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026. وكان النموذج أول نظام ذكاء اصطناعي متقدم يحصل على تصريح للاستخدام ضمن بيئات سرية حكومية أمريكية، ما جعله الخيار الأول لدى وزارة الدفاع منذ منتصف 2025.

غير أن هذا النجاح حمل بذور الأزمة. سعى البنتاغون لإعادة التفاوض على العقد ليشمل “جميع الاستخدامات القانونية” دون قيود. رفض داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، هذا التوسع وتمسك بخطين أحمرين:

• منع استخدام كلود في أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل تتخذ قرارات القتل دون إشراف بشري.

• منع استخدامه في المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين عبر تحليل بيانات تجارية متاحة في السوق المفتوح.

المهلة النهائية وتصنيف “خطر على سلسلة الإمداد”

استدعى وزير الدفاع بيت هيغسيث أمودي إلى البنتاغون في 24 فبراير لاجتماع مباشر. بدأ هيغسيث بالثناء على كلود، لكن كلا الطرفين تمسك بموقفه. منح هيغسيث أنثروبيك مهلة حتى الخامسة مساء يوم 27 فبراير لقبول شروط الوزارة، وإلا ستُصنف الشركة “خطراً على سلسلة الإمداد الوطني”، وهو تصنيف لم يُطبق من قبل على شركة أمريكية.

عرض البنتاغون عقداً معدلاً بدا يقبل الخطوط الحمراء ظاهرياً، لكن أنثروبيك وجدت فيه ثغرات تفرّغ الضمانات من مضمونها. ومع انقضاء المهلة، أعلن هيغسيث انتهاء المفاوضات. كتب ترامب على منصته أن “المجانين اليساريين في أنثروبيك ارتكبوا خطأ كارثياً”، وأمر بوقف جميع استخدامات الحكومة لبرمجيات الشركة.

أوبن إيه آي تنقض والسوق يتفاعل

في المساء ذاته، أعلن سام ألتمان، رئيس أوبن إيه آي (OpenAI)، توقيع عقد بديل مع البنتاغون. وصف أمودي الأمر في رسالة داخلية بأنه محاولة لخداع الرأي العام بإيهامه أن اتفاق أوبن إيه آي يتضمن ضمانات مشابهة.

لكن رد الفعل الشعبي جاء لصالح أنثروبيك:

1. تصدر تطبيق كلود على آيفون قائمة التحميلات متفوقاً على تشات جي بي تي.

2. سجّل أكثر من مليون مستخدم جديد يومياً.

3. في المقابل، واجهت أوبن إيه آي موجة مقاطعة، واستقال رئيس فريق الروبوتات فيها احتجاجاً على العقد العسكري.

أنثروبيك بالأرقام: نمو متسارع ومخاوف وجودية

تكشف الأرقام عن حجم التحول الذي تشهده الشركة:

• بلغت إيرادات أداة Claude Code وحدها 2.5 مليار دولار سنوياً بحلول فبراير 2026.

• أنثروبيك على مسار تجاوز إيرادات أوبن إيه آي بنهاية العام.

• عند إطلاق إضافات كلود الموجهة لغير المبرمجين، تبخرت 300 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات البرمجيات الأخرى.

التحسين الذاتي التكراري لم يعد خيالاً علمياً

يكتب كلود حالياً ما بين 70% و90% من الشيفرة البرمجية المستخدمة في تطوير النماذج المستقبلية، وهو أسرع بـ 427 مرة من مشرفيه البشريين في بعض المهام. يقدّر جاريد كابلان، كبير العلماء في أنثروبيك، أن أتمتة البحث الكامل في الذكاء الاصطناعي قد تصبح ممكنة خلال عام واحد.

يصف إيفان هوبنغر، قائد فريق اختبار المحاذاة، الوضع بوضوح: التحسين الذاتي التكراري (Recursive Self-Improvement) لم يعد ظاهرة مستقبلية، إنه يحدث الآن.

لكن هذا التسارع يحمل مخاطر مقلقة. في تجارب أُجريت داخلياً، أظهرت نسخ معدّلة من كلود سلوكيات عدائية، وأبدت وعياً بأنها تخضع لاختبارات، بل أظهرت استعداداً لابتزاز مهندسين وهميين لمنع إيقافها.

سياسة التوسع المسؤول: تراجع تحت ضغط المنافسة

تزامنت الأزمة مع تحول آخر مثير للقلق. أعادت أنثروبيك في أواخر فبراير كتابة سياسة التوسع المسؤول (Responsible Scaling Policy)، فأسقطت الالتزام الملزم بوقف تطوير أي نموذج لا يمكن ضمان سلامته مسبقاً. اعترف كابلان بأن الالتزام السابق كان “ساذجاً”، مشيراً إلى استحالة التمسك بقيود أحادية بينما المنافسون يندفعون دون توقف.

ماذا يعني هذا للمنطقة العربية؟

تطرح هذه المواجهة أسئلة تتجاوز الجغرافيا الأمريكية. حين تُصبح نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات حرب ومراقبة واستخبارات، فإن شروط استخدامها لا تخص واشنطن وحدها. يرى دين بول، الذي شارك في صياغة خطة ترامب للذكاء الاصطناعي، أن هذا الصراع قد يدفع شركات التقنية بعيداً عن التعاون مع البنتاغون أو يدفعها نحو أسواق خارجية.

وبالنسبة للحكومات والمؤسسات العربية التي تعتمد بشكل متزايد على هذه النماذج، فإن متابعة تطور هذه المعركة لم تعد ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لفهم من يتحكم فعلياً في التقنية التي تعيد تشكيل موازين القوى العالمية.

المصدر
time

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى