الذكاء الاصطناعي في الإعلامأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
رائج حاليا

أدوات الذكاء الاصطناعي تفتح ملفات إبستين أمام الجمهور

في واحدة من أكبر عمليات الإفصاح الحكومي في التاريخ الأمريكي، أصبح أكثر من 3 ملايين صفحة من وثائق قضية جيفري إبستين متاحة للعموم، إلى جانب 180 ألف صورة و2000 مقطع فيديو. غير أن أدوات البحث التي وفّرتها وزارة العدل الأمريكية جاءت بدائية وغير عملية، ما دفع مهندسين وصحفيين إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لبناء منصات بحث بديلة تُمكّن أي شخص من استكشاف هذه الملفات وتحليلها بسهولة.

فجوة الشفافية التي خلّفتها وزارة العدل

يُلزم قانون الشفافية حول ملفات إبستين (EFTA) وزارة العدل بنشر جميع الوثائق التي جمعتها عن القضية في صيغة قابلة للبحث والتحميل. لكن الواقع جاء مخالفًا لهذا الوعد؛ إذ أبلغ مستخدمون عن أعطال متكررة في محرك البحث الرسمي وقيود كبيرة في التعامل مع هذا الكمّ الهائل من الملفات. ووفقًا لتقرير نشرته إذاعة NPR، تعمّدت الوزارة حجب وثائق تتضمن اسم الرئيس دونالد ترامب، بما فيها اتهام امرأة بتعرّضها لاعتداء جنسي حين كانت قاصرًا. هذا القصور الحكومي فتح الباب أمام مبادرات مستقلة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لسدّ فجوة الشفافية.

Jmail: بريد إبستين في واجهة Gmail

وبحسب ما نشره موقع Nieman Lab التابع لجامعة هارفارد، يُعدّ مشروع Jmail من أبرز المبادرات التي وظّفت الذكاء الاصطناعي في تحليل ملفات إبستين. أنشأ المشروع المهندسان رايلي والز ولوك إيغل في نوفمبر 2025 خلال خمس ساعات فقط، وهو يحوّل رسائل إبستين الإلكترونية من ملفات PDF معقدة إلى أرشيف تفاعلي بواجهة تحاكي Gmail. وبحلول أواخر فبراير 2026، تجاوز الموقع 450 مليون مشاهدة صفحة و25 مليون زائر فريد، وبات يضم أكثر من 1.4 مليون ملف.

اعتمد الفريق في البداية على أداة Cursor المبنية على نماذج Claude من Anthropic لاستخراج البيانات، ثم انتقل إلى استخدام أدوات أكثر تخصصًا من شركة Reducto AI لمعالجة ملفات PDF واستخلاص حقول البريد الإلكتروني مثل المرسل والموضوع والنص. وتوسّع المشروع ليشمل أدوات فرعية تحاكي منتجات Google، منها JPhotos للصور وJFlights لسجلات الرحلات وJwiki كموسوعة تُعرّف بالأشخاص المرتبطين بإبستين.

Google Pinpoint: أداة بحث مجانية للصحفيين والجمهور

على صعيد آخر، لجأ الصحفي كامارون ستيفنسون من موقع Courier Newsroom إلى أداة Google Pinpoint المجانية لبناء قواعد بيانات قابلة للبحث من ملفات إبستين. تستخدم هذه الأداة تقنية التعرف الضوئي على الحروف (OCR) لتحويل آلاف الوثائق إلى نصوص قابلة للقراءة الآلية، كما تعتمد على نماذج Gemini من Google لنسخ الملفات الصوتية. أتاح ستيفنسون قاعدتي بيانات للجمهور بدلًا من حصرهما بفريق التحرير، ودعا القراء إلى الإبلاغ عن أي وثائق مثيرة للاهتمام، وهو ما أعاد إليه مئات البلاغات التي دعمت تحقيقاته الصحفية.

لكن Pinpoint تواجه قيودًا واضحة، أبرزها سقف 250 ألف وثيقة كحدّ أقصى للرفع، وهو رقم تجاوزه الإصدار الأخير من وزارة العدل بمراحل. كما أن الأداة لا تدعم معالجة الفيديو وتملك قدرات محدودة في تحليل الصور، ما دفع ستيفنسون إلى البحث عن بدائل أكثر قدرة.

كيف تستخدم غرف الأخبار الكبرى الذكاء الاصطناعي في التحقيقات؟

لم تقتصر الاستفادة من أدوات البحث بالذكاء الاصطناعي على المبادرات التطوعية. فقد طوّرت صحيفة نيويورك تايمز تطبيقات برمجية مخصصة تتيح لمحرريها البحث المرئي في الصور وتحديد الوثائق المكررة وإنتاج نصوص مكتوبة من مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية. وأشار الصحفي الاستقصائي نيكولاس كونفيسور إلى أن قراءة جميع الوثائق يدويًا بمعدل 500 وثيقة يوميًا لخمسين صحفيًا كانت ستستغرق أربعة أشهر. كما تعتمد كل من صحيفة الغارديان وهيئة BBC على أدوات بحث داخلية مماثلة، وفقًا لمعهد رويترز لدراسة الصحافة.

تعاون بين التقنيين والمؤسسات الصحفية

حقّق التعاون بين فريق Jmail والمؤسسات الصحفية نتائج ملموسة. فقد نشرت مجلة The Economist تحقيقًا في فبراير 2026 استند إلى بيانات Jmail لتحديد أكثر 500 شخصية عامة ظهورًا في رسائل إبستين وتصنيفها حسب القطاع. كما تعاون موقع Drop Site الاستقصائي مع الفريق لنشر أرشيف رسائل Yahoo الخاصة بإبستين عبر منصة Jmail، مما جعلها متاحة للبحث العام لأول مرة. وقد استُخدمت إحدى هذه الرسائل لاحقًا في استجواب الكونغرس للملياردير ليس ويكسنر الذي وصفه مكتب التحقيقات الفيدرالي سابقًا بأنه متواطئ مع إبستين.

تحديات الدقة والخصوصية في أدوات البحث المفتوحة

رغم الفوائد الكبيرة لهذه الأدوات، تبقى هناك تحديات جوهرية تتعلق بالدقة والخصوصية. فأخطاء الهلوسة في النماذج اللغوية الكبيرة وأخطاء التعرف الضوئي على الحروف قد تؤدي إلى معلومات مغلوطة، وهي مخاطر تتضاعف حين تُتاح هذه الأدوات مباشرة للجمهور دون طبقة تحقق صحفية. وقد أقرّ إيغل بصعوبة التحقق من كل رسالة إلكترونية، لكنه أشار إلى أن كل رسالة في Jmail تتضمن زرًا يُحيل المستخدم إلى الوثيقة الأصلية للمقارنة. كما يعمل الفريق على حذف أسماء الضحايا التي كان يجب حجبها منذ البداية، في محاولة لتجنب انتهاكات الخصوصية التي ارتكبتها وزارة العدل ذاتها حين نشرت أسماء 43 ضحية على الأقل دون تنقيح.

الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الشفافية العامة

تُظهر هذه المبادرات كيف أصبح الذكاء الاصطناعي أداة تمكين حقيقية للشفافية العامة، حيث يستطيع فريق صغير من المتطوعين بناء أدوات بحث في ساعات قليلة تتفوّق على ما قدمته مؤسسة حكومية بكاملها. وبينما تبقى تحديات الدقة والمسؤولية قائمة، يبدو أن التحوّل نحو إتاحة أدوات التحقيق للجمهور مباشرة بات اتجاهًا لا رجعة فيه، وأن ملفات إبستين قد تكون أول اختبار حقيقي لهذا النموذج الجديد من الصحافة التشاركية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ترجمة بتصرف عن موقع Nieman Lab

زر الذهاب إلى الأعلى